ساسي سالم الحاج

12

نقد الخطاب الاستشراقي

نلاحظ أن هذه الظلال لا تزال تخيم على السيرة النبوية مثلما خيّمت على القضايا الإسلامية الأخرى التي أشرنا إليها في دراساتنا السابقة . فهذا صاحبنا « جولدزيهر » يرى في السيرة النبوية أن ماضي الرسول قبل بعثته يتلخّص في ولادته نحو عام 570 م في الفرع الهاشمي الفقير المنتمي إلى قبيلة قريش القوية والذي له القيادة بمكة . وقد ولد يتيما ، وربّاه أقاربه ، وكان يكسب رزقه بطريقة قاسية وبسيطة في آن واحد . فقد اشتغل راعيا ، ثم أصبح تاجرا لحساب سيدة غنية اسمها خديجة عندما بلغ من العمر خمسة وعشرين عاما . وبعد أن تزوّج من هذه الأرملة الغنية التي تكبره بخمس عشرة سنة انتهت همومه المادية وأصبح بدوره تاجرا « 1 » . ويستطرد جولدزيهر ، قائلا : « إنه خلال رحلاته المتعددة التقى ببعض اليهود والنصارى الزاهدين ، وأصبح يفكر شيئا فشيئا في الحياة الخلقية والدينية السيّئة بمكة ، وأصبح ضميره يتعمق في هذه الأمور عن طريق التفكير والتأمل ، وهكذا أصيب بقلق مؤلم ظهر على السطح عن طريق الاضطرابات العصبية ، فانزوى في الجبال مفكرا في مصير أمته ، وهكذا أصبح ثائرا ضد نظام الحياة المكية . واختلطت تجاربه الشخصية بالمعارف التي استقاها من اليهود والنصارى إلى أن تحولت على هيئة « رؤى » Visions وأحلام وهلوسة التي عكست شعوره بالثورة ضد الماضي ، وكونت هذه الأمور في مجملها ما أذاعه وبشّر به في قادم الأيام » . ويمضي جولدزيهر في تحاليله حول السيرة النبوية قائلا : « إن تبشير النبي العربي ما هو إلّا مزيج منتخب من معارف وآراء دينية ، عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها التي تأثر بها تأثرا عميقا ، والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفة دينية حقيقية عند بني وطنه ، وهذه التعاليم التي أخذها عن تلك العناصر الأجنبية كانت في رأيه كذلك ضرورية لتثبيت ضرب من الحياة في الاتجاه الذي تريده الإرادة الإلهية . لقد تأثر بهذه الأفكار تأثرا وصل إلى أعماق نفسه ، وأدركها بإيحاء قوة التأثيرات الخارجية ، فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه ، كما صار يعتبر هذه التعاليم وحيا إلهيّا ، فأصبح - بإخلاص - على يقين بأنه أداة لهذا الوحي » « 2 » .

--> ( 1 ) WAARDENBURG , L'islam dans le miroir de l'occident , op . cit , p . 32 . ( 2 ) Goldziher , Die Religion des Islams , 1922 , P . 104 . in , WAARDENBURG , op . cit , p . 33 .